هي الدرب المنير إلى المعــــــالي            تذلل بالمضاء ذرى المحـــــــــال

الصحوة النسوية في موريتانيا ملاحظات في التجربة والأداء

انطلقت الصحوة الإسلامية في صفوف النساء الموريتانيات مع منتصف الثمانينيات من القرن العشرين لتشكل أحد أهم روافد ترسخ الظاهرة الإسلامية في موريتانيا ولتعبر عن ولوج الصحوة الإسلامية ميدان الفعل الدعوي الاجتماعي لأول مرة وكانت البدايات في هذا الصدد تكتنفها العديد من الصعاب الاجتماعية والثقافية والفكرية المنغرسة منذ القدم في المجتمع الموريتاني المحافظ. أولا : تاريخ النهضة النسوية

وإذا كان المجتمع الموريتاني بطبعه مجتمعا إسلاميا ويتحرى ضوابط الفقه الإسلامي إلا أن المرأة في هذا المجتمع ظلت تنتزع لنفسها مكانة مؤثرة جدا لدرجة تجعلها تتقاسم النفوذ بكل قوة إلى جانب الرجل ويرجع العديد من الباحثين ذلك إلى عوامل أربعة رئيسية : 1- أن التراكم الحضاري لأهل هذه البلاد يختزن في الذاكرة التاريخية وجود مجتمع الأمومة في العصور السحيقة حيث كانت السيادة للمرأة في البيت والمجتمع كما أن المجتمعات الإفريقية المؤثرة في تاريخ المجتمع الموريتاني هي الأخرى ظلت وإلى اليوم تعطي مكانة للمرأة متقدمة في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية وكانت بعض الممالك الإفريقية تعطي ولاية العهد لبن الأخت احتفاء بمكانتها في الأسرة كما أن دور المرأة عند الشعوب الإفريقية ظل رياديا خصوصا في الحياة الاجتماعية والدورة الاقتصادية. 2- أن المجتمعات والقبائل والأقوام البربرية التي ترجع إليها أصول كثير من القبائل الموريتانية كانت تعطي للمرأة مكانة متقدمة بإزاء الرجال ولم تعرف في تاريخها الطويل ذلك الحجر القاسي على الدور الريادي للمرأة في الميادين الثقافية والاجتماعية وحتى الاقتصادية ، فعلا كان تخلف الصحراء وظروفها القاسية عائق أمام تقديم شيء ، ولكن المرأة على العموم في مجتمعنا لم تعرف ذلك القسر والحجر والتخلف الذي عرفته أختها في كبريات الحواضر في الأمصار الإسلامية المختلفة.

3- أن المجتمع الموريتاني يعيش أشواق وآمال النهضة والصحوة منذ منتصف القرن الثالث عشر للهجرة النبوية الشريفة وفي العديد من مناطق البلاد درست المرأة وتعلمت ومارست دورا اجتماعيا واقتصاديا بل وحتى ثقافيا وقد أوصل بعض الباحثين أعلام النساء المؤلفات والقائدات خلال القرون الثلاثة الأخيرة لما يزيد عن 15عالمة مثقفة من أبرزهم خديجة بنت أحمد ولد العاقل ، والأميرة البَرْكَنِيةُ العالمة اخناثة بنت بكار زوجة المولى إسماعيل وغيرهن كثير. 4 ــ إن صحوة المرأة المعاصرة في موريتانيا قد قامت بدور مهم في وصل ما انقطع من مظاهر التدين والقناعة بالروح الحضارية الإسلامية القوية التي كتب لها الانتصار في المحصلة النهائية في صراعها مع الاستعمار ولعل من النماذج التي تحتاج الدراسة في إطار تكيف المجتمع الموريتاني مع الاستعمار تجربة مدرسة البنات في أبي تلميت والتي استقطبت أعدادا من بنات الوجهاء في هذه المدينة المؤثرة في تاريخ الصراع مع المستعمر ممانعة على صعيد مشروعه الثقافي ومهادنة إن لم نقل مناصرة على الجبهات الأخرى كل ذلك تنزل في إطار اجتهاد مصلحي ظرفي يقدر بقدره مهما أحيط به اليوم من هالات تثمين أو انتقاص ولكنه إن عبر عن شيء فإنما يعبر عن سعي المجتمع الموريتاني لتطويع تحديات الحياة القاسية لقيم الدين وأصول العقيدة مع مد البصيرة باستمرار إلى الأمام لكسب رهان التحولات القادمة وهو ما نظن أن الأجداد نجحوا فيه بشكل كبير مما يتطلب مجددا قراءة صائبة تساعد على الإقلاع نحو وضع أفضل.

ثانيا : الصحوة النسوية والتحديث بدأت الصحوة النسوية المعاصرة في موريتانيا على وقع الصراع الإيديولوجي الفكري بين جماعات اليسار الاشتراكي واليسار القومي من جهة والتيار الإسلامي الصاعد من جهة أخرى وبرزت أولويات التحدي الأخلاقي بصورة كبيرة في اهتمام الأطر النسوية حيث اتجهت لنقاش فكري متعلق بالهموم الدعوية العامة ولم تتخصص تلك الأطر التركيز على هموم الشريحة النسوية خصوصا فيما يتعلق بموقع ودور المرأة في المجتمع الإسلامي والحركة الإسلامية المعاصرة ولم تعرف الساحة نقاشات فكرية لحسم وتأسيس إجابة نهائية في هذا الإشكال وظلت الأطر النسوية استنساخا لتجربة حركات إسلامية أخرى في مصر وتونس. ورغم أن موضوع المرأة وموقف الدين من عملها ومشاركتها الواسعة أخذ نقاشا واسعا وساخنا منذ مطلع عصر النهضة إلا أنه في موريتانيا لم ينل ما يستحق من اهتمام كما عجزت الساحة الصحوية عن إبراز قيادات كاريزمية قادرة على العطاء الفكري والتنظير المستمر لقيادة تحولات هذا الجانب الهام من الحياة الاجتماعية. وعلى سبيل المثال ظل المجتمع الموريتاني لا يلقي بالا لكل ذلك الزخم الذي أخذه موضوع المرأة ربما لأن المجتمع الموريتاني لم يحط دور المرأة طيلة حياته بقيود مثل تلك القيود التي كانت سائدة في حواضر المشرق وهي قيود قوية كبلت نصف المجتمع وحظيت ، إشكالية المرأة في المشرق باهتمام خاص من مختلف من تصدوا للدعوة والإصلاح الاجتماعي حتى إن الداعية الباكستاني أبي الأعلى المودودي رحمه الله ترجم كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين ــ الذي حاربته العديد من الأطراف في مصر واعتبر دائما مساوقا وخادما للرؤى الغربية والتيارات الرافعة لشعار التحديث باسمها ــ اعترافا من المودودي بقيمة الأفكار التحريرية التي دعا إليها الكتاب وحاجة المجتمعات الشرقية عموما لمثلها. وعلى الجملة فقد حقق الحراك النسوي الذي انطلق في موريتانيا منذ الثمانينيات جملة من المقاصد والأهداف التأسيسية من أهمها: 1- بدأت المرأة تسير إلى جانب أخيها الرجل في موكب الدعوة فنشأت نوادي وجمعيات وبدأ الاهتمام من طرف الدعاة والمفتين بإنتاج فتاوى وخطاب شرعي ودعوي يهتم بخصوصية المرأة وسياق المسألة الاجتماعية وإشكالاتها المختلفة وفي الحصيلة نشأت الصحوة النسوية ذات النطاق المحوري والدور الوظيفي التخصصي الهام الذي لا يزال وسيظل ضروريا للنهضة الإسلامية المعاصرة في موريتانيا. 2- كما كان من مظاهر هذه الصحوة اتخاذها منذ أول لحظة شعارا بإشهار الزي الشرعي للمرأة واعتباره جزئا أساسيا من إبراز هوية الدعوة الإسلامية في هذا الحقل لما لذلك من آثار مميزة هامة وقد حققت صحوة المرأة في هذا الصدد نجاحا كبيرا خلال السنوات الأخيرة. 3- وثالث النجاحات المسجلة في هذا الصدد هو أن الصحوة النسوية نوعت أنماط عملها ومجالات تدخلها بشكل هام غير أن هذا النشاط لا يزال لحد الساعة عاجزا عن الوصول للعمق الاجتماعي سواء على مستوى الخطاب الفكري والرؤى التغيرية أم على مستوى الأداء الجمعوي حيث لا يزال هذا الأداء حبيس الوسائل والأدوات التقليدية كالدروس والمحاضرات والنشاط الخيري الجزئي ضعيف التأثير. 4- ولا يمكن أن ننسى أن صحوة المرأة ساهمت إلى حد كبير في إعادة التلاحم للفئات والطبقات الاجتماعية وحققت في هذا الصدد أداء يصلح ليكون مؤسسا ومرشدا لنقلات قادمة أهم ، خصوصا إذا ما قدر الله لهذا الميدان قيادة أرشد توجيها وأكثر تسديدا وأزكى . 5- وخامس النجاحات هو إشعال شرارة التطوير والارتقاء بالأسرة الإسلامية على مستويي التنظير والممارسة حيث نشأت وترسخت فكرة البيت النموذجي وبدون شك فقد تحقق بعض النجاح الذي تحفه الكثير من الملاحظات النقدية غير أن رسم المثال الذهني إذا تحقق ووجدت المحاولات والإصرار على النجاح فلا شك أن المقاربات التي تنافس وتطاول ستتفاوت ، وستحاصرها معاكسات الجو الاجتماعي "البيظاني" المفكك ، ولكن وجود الفكرة المثالية والمقاربة الساعية للتطوير كلها أمور تسددها بركة الدعوة ، وتدفع بها إلى الأمام ما خلصت النية وتحققت الاستجابة الربانية لمساعي المصلحين. ثالثا: نظرة نقدية لا يمكن ونحن نحاول تقييم تجربة المرأة الموريتانية وتنظيماتها وأطرها التي انبثقت من وحي تجارب الصحوة الإسلامية المعاصرة إلا أن نقدم ملاحظات نقدية بارزة طبعت التجربة ولم تسمح لها بالتقدم والبروز بالشكل المطلوب نظرا لعدة اعتبارات من أهمها: 1- أن التجربة النسوية الإسلامية ظلت رهينة للقوالب التنظيمية والجمعوية المحلية التي يقودها الرجال وينشئونها إنشاء ولذلك ظلت خجولة وضعيفة لا تكاد تجاوز أنماط العمل الجمعوي الرجالي. ورغم أن المرأة حاضرة وقوية في النشاط اليومي للكسب في مختلف مناحي الحياة إلا أن ساحتها لم تفرز لحد الساعة من القيادات ما يجعلها تتصدر أنماط العمل النسوي وهذه الملاحظة نراها بارزة في موريتانيا حتى بالنسبة للتيارات الأخرى غير الإسلامية فباستثناء نماذج قليلة لا تكاد عناصرها تجاوز أصابع اليد الواحدة فإن القياديات المتصدرات للفعل الريادي دون الاعتماد على حركات أوأحزاب جد قليلة. 2- أن الصحوة النسوية لم تستطع أن تبرز رغم مضي عدة عقود على قيامها قيادات فكرية ومرجعية ، كما عجزت عن تطوير خطابها الفكري الخاص القادر على ملامسة إشكالات الواقع وتحدياته ورغم اتساع إقبال الموريتانيين على الإعلام فإن صوتها في هذا السياق لا يزال خافتا. 3- يعتبر العديد من المهتمين أنه كان من المفترض في سياق المجتمع الموريتاني الراهن أن تصطف حركة المرأة وصحوتها إلى جانب قيم التحرر والدفع إلى الأمام بحركة التطوير ولكن وبكل أسف فإن المرأة الموريتانية تبدوا أسيرة أكثر للتقاليد البالية ومحافظة عليها ولم تتمكن لحد الساعة من إحداث قطيعة مع التقاليد رغم أن الرؤية الإسلامية تبدوا تقدمية جدا بالنسبة للتقاليد البدوية الموريتانية إذا ما استثنينا نقطة تعدد الزيجات التي تثير حتى حفيظة النساء الصحويات إلا أن هذه الصحوة التي شكلت يوما أملا بالتغير والتخلص من التقاليد اتجهت أخيرا إلى نوع من الانكفاء على تقاليد المجموعات والعشائر وخبا الوهج الإيديولوجي الدافع للتجديد وتوارت حوافز التغير الخلاق إلا إذا لم تتدارك بأداء فعال وتحديد وجهة أدق.

محمد الحافظ الغابد

 

التعليقات 

 
#1 سيدي 2013-02-14 06:23
مقال نظيف صراحة فيه قدر من الجدية والصراحة . لك جزيل الشكر وتقبل الله منك
 

أضف تعليق


تحديث

فيديو

مجلة

تلاوات