هي الدرب المنير إلى المعــــــالي            تذلل بالمضاء ذرى المحـــــــــال

سياحة تستنطق الكنه

بقلم: مريم بنت الجنيدلعله من الصعوبة ترسيم حدود ثقافة ما في عصر كثرت فيه الوسائط مما قارب المسافات بين الحضارات المتباينة و المتباعدة ومكنها من التعرف على ثقافة بعضها البعض.

إن هذا الاحتكاك أفرز ثقافة متقدمة تظل الأمم الأخرى تتوق  إلى محاذاتها لما حازته من عوامل التطور ومؤشرات النماء، وفى مسعى المحاذاة هذا تضيع موجهات الاقتباس و تنخرم أواصر الإنطلاق من الأرضية التاريخية للشعب فتنطمس الهوية وتكون المحاكاة هي السرعة الإبتدائية التي ستوصل إلى التطور المنشود.
فهل تكون المحاكاة وحدها كافية لبلوغ مثل ذلك المقصد؟ وأي رسالة ثقافية ستفرز ؟

   الرسالة الثقافية لأي أمة هي شجرة تضرب جذورها في أعماق تراث تلك الأمة وتسقي غصانها من ينابيع فكرها ونظرياته وتنصبغ ألوانها بتوا جهاته .
    إن ثقافتنا- كأمة إسلامية- تسعى إلى الإنفتاح على الحضارات الأخرى والامتياح من معين ما أبدعته الإنسانية من ثروة معرفية وتقنية تنير الفكر وترشد الضمير وتوجه العقل إلى التأمل وتصقل الملكة وتشحذ الهمة ، فتبعث الأمل في النفس  وتزيد الثقة في العقل الإنساني
   فالسباحة في رياض التجارب والابتكارات تؤكد أن تشغيل  الطاقات الكامنة لدى الإنسان لم يكن وليد اللحظة وإنما هو نتاج لمحاولات عديدة تصارعت فيها إرادة الإنسان مع عاديات الزمن ومزالق التجريب حتى اختط العقل الإنسان في بحر الإبداع طريقا يبسا لا يخاف فيه عقبة  ولا يخشى إخفاقا.
  إن هذا الانفتاح ينبغي أن يكون مؤسسا على الاعتزاز بالهوية باعتبارها مرجعا ومنطلقا مهما تضافرت وتعززت دواعي الانبهار بتقدم  الأمم الأخرى ،فالطفرة التكنولوجية التي بلغت أوج  ازدهارها  في هذا العصر لاكتشافاتها التي أدهشت العالم ،من وصولها  إلى الفضاء ودراستها للكواكب وربطها بين أطراف الكرة الأرضية عن طريق ثورة الاتصالات الخارقة ...
    إلا أن  هذا التطور المذهل على الصعيد المادي رافقه إخفاق حاد وتأخر كبير على المستوى  القيمي وما الإرتفاع  الحاد لمعدلات الانتحار والجرائم منا ببعيد كدلائل قطعية على مستوى الإفلاس والتأخر.

    فالثقافة المنبثقة عن جذورها التاريخية وهويتها الحضارية وإن كانت في ظاهرها تحث الخطي نحو التقدم والنماء إلا أن مسارها دائري سرعان ما يهوى بها، فهناك متتالية أساسها الانبهار وحدها الأول المحاكاة تؤول في حدودها القصوى إلى الاستلاب والتميع، فيكون التقدم المنشود إسقاطا في براثن الافلاس  والتقهقر.

    ولكن الدعوة الي الاعتزاز بالهوية لا تعني الجمود مطلقا لان التقوقع والبدائية والإنزواء مفردات تجتمع راسمة لوحة حجرية قد تجاوزها  قطار الزمن في عصر السرعة، فمسعى التمكين يفرض المزاحمة في ميادين الفعل والانجاز وحيازة الوسائل التقنية الموصلة إلى الهدف والاستيعاب الوافي لخريطة وتضاريس الساحة الكونية والتعرف على الفرص والتحديات الماثلة، و لن يكون ذلك إلا من خلال تحرير العقل من الإرتهان للواقع و إخراجه من ظلمات الجمود  إلى أنوار الإبداع و التجديد بقوة دفع محصلتها المطالعة الواسعة و الدراسة الوافية لعصارة الثقافات والتجارب الإنسانية .
     لقد ظلت أمتنا حقبا طويلة أسيرة أنماط أوجدتها نخب اقتصرت في دراستها لثقافات الأمم على الأشكال مما جعلها تدور في حلقة مفرغة تطوقها نظريات الاستنساخ الشكلي و الاستيراد المطلق.

لقد تخرجت أجيال كثيرة اختزلت مؤشرات النهضة و معالم التطور في  الأزياء و التسريحات وأنماط الغداء  فعملت بجهد متفان على مجاراة  النموذج المتطور فيها  شبرا بشبر و ذراعا بذراع فأهملت المهم و انشغلت بالتافه ، فلو أنها ولت وجهها صوب  مجاراتها في أنماط التفكير وطرق التحصيل وآليات التجريب ومسالك البحث والاكتشاف  لكانت أمتنا في مصاف الركب الأممي  المتطور .
    
إذن فالمطلوب هو دراسة تتجاوز الأشكال والمظاهر وتتقن الغوص في المضمون والمردود مستلهمة الجيد المفيد و تنتقي الأصوب ثم الصائب
تدفعها و تحدوها الحكمة ضالة المؤمن
 

 

 

أضف تعليق


تحديث

فيديو

مجلة

تلاوات