|
بقلم: حواء بنت أوداعحين نتحدث عن الثورة ونتعطش لها ونرسمها هدفا أسمى، نتوق ونسعى إليه، فإننا لا نقصد الثورة بمعناها الفيزيائي والشعبي، والذي يتسم بالفوضى والتدمير، وإنما نعني الثورة في بعدها الجمالي الراقي، والذي يعني مراجعة كل شيء ، ونقاش الثوابت لتعزيز الإيجابي منها وتنحية السلبي منها، إذ لا ثابت حقيقة إلا الإنسان، وما يخدم إيمانه السليم، وعيشه الكريم.
فنحن نعيش مفاجأة القرن.. مفاجأة العالم.. مفاجأة الإرادة الإنسانية والفكر الإنساني، وهذه الثورات العربية التي شهدناها عيانا في الأيام والشهور الأخيرة ليس من العدل أبدا أن يحرم أي قطر من العالم التأثر بها واستلهامها على غرار ما سنه التاريخ من المد التأثيري لها ولثورات قبلها بعقود في دول صعدت بها إرادة شعوبها قبلنا فمكنتها من الإمساك بأزمتنا قبل أن نتنبه لمدأ الرفض ونلبس لبوس العزة ، ونرفع شعار الكرامة الإنسانية من طرف جيل الإرادة الثائر على نواميس الغبن والحيف.
لكن ردة الفعل لا تكون ضرورة من نوع الفعل، والتأثر بالثورة قد لا يكون ثورة مماثلة، فلم لا نتصور مثلا أن تأتي الثورة من الأعلى فيثور الحكام أنفسهم على أساليبهم المتجاوزة ، وممارساتهم المعوجة فيتوقفون عن امتهان مهنة الحيف والاستعباد، ويعترفون بإنسانية شعوبهم. ويثور السياسيون على عاداتهم المشوبة بالأطماع أحيانا، وبروح الانتقام أحيانا أخرى.. فيهجرون سوق النخاسة ، ويمتنعون عن المتاجرة بالأحرار. ويثور المثقفون على تخفيهم الغريب وقناعاتهم المتذبذبة ، وجهادهم اللغوي في ساحات التضليل والتزويغ، فيقلعون عن خطابات التلفيق والتصفيق التي لا يؤمنون بها في قرارة أنفسهم إلا أنهم قوم يجزعون فينساقون لرغبات من يجزعهم. ويثور الشعب ثورته الكبرى فيعلن مقاطعته للعادات والأعراف المخجلة، ويبتعد عن الطمع والجزع والارتشاء والاختلاس والتزوير والاستكانة، ويرد الكلمات إلى معانيها ، ويسمي الأشياء بأسمائها فلا يثيب السارق على سرقته ، ولا يوقر المختلس على خلسته وهو يعلم أنها مختلسة من أموال شعب يرزح تحت وطأة الفقر والحرمان، ولا يسخر من الأمين إذا خرج من منصبه ولم يعقب ثروة أو عقارا لنفسه. تلك هي الثورة بالمعنى الذي نريده ونصر عليه، ونعشقه ونهيم به، وذاك هو التكامل الذي لا يترك مجالا لتفسير الثورة بأحد المعاني الأخرى.
|