| الموازين |
|
ظاهرة عجيبة تلك التي نجدها بين الإنسان ونفسه من جهة ، وبينه وبين غيره من بني جنسه من جهة أخرى ، إنها الظاهرة التي يخلق بها الإنسان من نفسه إنسانا عصاميا متبنيا من نفسه موقفا تنزيهيا يقضي باتصافه بأوصاف الكمال الإنساني وبعده عن النواقص والعيوب ، ليحكم بالمقابل على الغير ــ كل الغير ــ بحكم مناقض يتمثل في موقفه منه موقف اتهام، مجتهدا في تسديد سهام الانتقاص والتعريض نحوه .
تلك المثالية التي نتمثلها في أنفسنا ونضن بها على الغير أمر غريب بحق ، والأغرب من ذلك أننا لا ندرك أننا مخطئون في تصرفاتنا وتصوراتنا تلك ، بحيث نعطي أنفسنا الحق لتمحيص الغير ونقده تماما كالناقد الذي يعتبر أن همه هو توجيه الاتهامات للمنقود بغية كشف أخطائه وتبيين عيوبه وفضحها أمام المتلقي ، بل لعل الناقد أكثر منا موضوعية وعدلا ، حيث إنه يظهر ما في المنقود من محاسن إلى جانب مساوئه ثم يوازن بينهما ويحكم للمنقود أو عليه بحسب غلبة إحدى الصفتين ، أما الإنسان فإنه حين يدرس نفسه أو غيره يبتعد تماما عن الموضوعية التي هي شرط المصداقية في العمل التشخيصي ، بحيث ينظر لنفسه بعين الرضا فلا يرى فيها إلا طيبا لأن (عين الرضا عن كل عيب كليلة ) ، ولغيره بعين السخط ، فلا يرى منه إلا الخبث والعيب لأن ( عين السخط تبدي المساوئ) ، ولأن محاسن الغير محجوبة عنه كما حجبت عنه عيوب نفسه ، فإنه يعيب فعل الآخرين ولا يعي أن عيبه أكثر وأكبر.
ألا يحسن بنا ما دمنا نكشف ونبدي عيوب غيرنا أن نبدأ بأنفسنا التي نسيناها خلف ركام عيوب الآخرين الذي نركم بعضه فوق بعض ، وإذا ما قبلنا ــ على مضض ــ أن لنا عيوبا وأخطاء ألا يجدر بنا أن نفر بأنفسنا ونتريث في اتهام الغير وتنقيصه ، أو ربما يحسن بنا أن نكون عميانا حتى لا ننبش عيب أحد فيكيل لنا العيوب ويكشف القديم والقشيب من نواقصنا وعيوبنا التي وضعناها بسلة المهملات داخل مخيلة النسيان . أو ليس من الأسلم لنا حينها أن نردد مع الشافعي قاعدته الحكيمة : لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
لكننا كثيرا ما ننسى ذلك الواقع ، وحينما يصلنا اتهام أو يطرق بابنا تنبيه خفيف على جزء بسيط من عيوبنا نضيق ذرعا بصاحبه ونرميه بالكذب ، وحينما تصلنا نصيحة خفية دافئة من قلب أمين نصوح نغضب من موجهها الذي يبدو أمام ميزاننا المختل أولى بتلك النصيحة وأجدر بامتثالها .
وحقيقة الأمر أننا لا نعدو أن نكون ميزانا لغيرنا وغيرنا ميزان لنا ، فحري بنا إذن أن نحرص دائما على معرفة أحجامنا الأخلاقية والقيمية في تلك الموازين ، حتى نتمكن من تعويض ما نقص منها من خلال شحنة النصيحة وطاقة الذكرى اللتين شرعهما الله وأمر بإفشائهما وتفعيلهما بين الناس ، ولن يتسنى لنا ذلك ما لم يتقابل أصحاب الميزانين ، لأن لدا كل منهما كفة عدل ، ولا يستقيم الوزن بكفة واحدة أبدا ، كما لا يستطيع الإنسان ــ أي إنسان ــ أن يقوم اعوجاج نفسه ، بل لا بد له من موجه مخلص ينطق بلسان الدقة والصدق
فالعين تبصر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة
لذلك كان على المرء أن ينتقي الموازين الإنسانية لنفسه ، فيحرص على اصطحاب الموازين الموفية المقسطة ، ويحذر من الركون للصدئة المطففة التي تخسر الوزن وتقصر في استكمال شروط الوزن اليسيرة على من يسرها الله عليه ، وليستصحب من الناس من يبكيه لأن مرآته صافية لا من يضحكه فذلك مرآته محدبة متسخة لا تنقل الصورة كما هي . ذلك أدنى أن يعرف الإنسان حدود ما أخطأ وأخسر ، وإن أصدق الموازين ميزان الله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فلنحص عيوبنا قبل أن تحصى لنا وتعد لنا عدا .
|